موفق مسعود يكتب: أعالي الوعور

– طيب ما الذي اختلف حقاً يا أمي ؟
ها أنا أجلس في الركن نفسه متكئاً على الحائط الشرقي لليوان .. كما كنت أفعل قبل خمسين عاماً .. كل شيئ كما أنه لم يمض عليه الزمن ، سراج علبة السردين على الحائط .. ونباح كلابٍ في الخارج .. كل شيء كأنه موجود كما كان أول مرة .. صمت الليل .. خشخشة الريح على أعواد الشنديب .. صرار ليل متقطع الأنفاس .. ونباح كلاب ..
كأنما الزمن يعبرني أنا فقط يا أمي، رجلُ كهل في الستين، يجلس في ركن الليوان، صامتاً، يغرق في تأملاته المبحرة في هذا الصمت كما يفعل طفلُ كانَهُ ..
أي خرافة هي الحياة ؟ ولماذا يكسو جسد الطفل كل هذا الشقاء والهرم ..،!
ليس هناك من شيء أكثر ثباتاً من نباح الكلاب في الليل .. /
كان قاسم يجلس في زاوية الليوان كخشبة متفحمة إنطفأ نارها، وهناك في صدر الليوان صورة عتيقة لأمه، لقد تعود أن يناجيها كلما أصابه التعب، لكنه هذه المرة يبوح أمام صورتها بكلمات يستشعرها بعذوبة وتتدفق من أوصاله كأنها نفس الحياة الأخير ..
وكانت الكلاب تنبح .
كلاب كثيرة .. تهرم ثم تموت ثم يستمر الصوت بكلابٍ جديدة … تنبح وتنبح حتى تشيخ .. كإنما الصوت إلا كائن خالد وإنما أجساد الكلاب أثوابه، كإنما المشهد الوحيد غير القابل للهرم هو العالم كما يراه ذاك الطفل الجالس في الركن الشرقي، العالم الذي لم يعرفه بعد، ذلك الغموض الحليبي الكثيف، يتناثر في ظلمة الليل، ثم تنبح الكلاب من جديد، لتعود سحابة الغموض بالتشكل كندف ثلجٍ تتراكم على حجرٍ وحيد في عاصفة.
شهق بخجلٍ مجروح ليلة البارحة حرقوا محاصيل القمح، لقد نبحت الكلاب على مداخل البيوت كالعادة، لكن أحداً لم ينهض من فراشه حيث أن نباح الكلاب توأم هذه العتمة وقد تعودناه يا أمي .. ها أنا أعود مع بضعة رجالٍ خرجنا لكي نطفئ ما تبقى من السنابل المحترقة، وقد كستنا ذراتُ سوداء كأنها وشم للعار لن يزول عن جلود أكفنا ووجوهنا ، لقد شعرنا بالخجل من السنابل الفاحمة، لم أستطع إحتمال أن تحدق بين كفي سنبلة خضراء محترقة .. كأنها تسألني لماذا؟!
عضّ على شفته السفلى بألم حانق هاجساً : الكلاب .. الكلاب.
تنهد متذكراً أن عليه أن يغتسل، فنهض عن الأرض، وخرج ماشياً على الطريق الترابي ليجد نفسه في أرضه المحترقة، تناول معوله وحرث التراب عميقاً حتى ظهرت رطوبة أنعشت قلبة ، ثم استحم بالتراب طويلاً .. حتى توقفت الكلاب عن النباح أخيراً.
تنهد طفلٌ أول الفجر وهو يمسك بكفّ أمه ويعبران قبل شروق الشمس كتل الصخور وأكمات الشوك واللوز المر .. عبرا كظلين مسرعين نحو أعالي الوعور.

شارك

Share on facebook