رسم نور نصرالله

موفق مسعود يكتب: جرح في المخيلة

ــ آآآخ …

سمعنا صراخه يعلو مختلطاً مع صوت ارتطام رأسه بحافة الدهليز الحجري، كُنّا نوجّه ضوء المصباح الشاحب نحو الأمام، ولم نتخيل أن حجراً ناتئاً يمكن أن يصيب رؤوسنا ونحن نسير منذ ساعات طويلة في تلافيف السرداب اللولبي الغريب.

أتينا إلى هذه الوعور البعيدة بحثاً عن الذهب حتى اهتدينا إلى خرائط مدفونة قادتنا نحو مدخل السرداب، لكنها لم تخبرنا كيف سنعود إلى سطح الأرض!

المهم إننا تائهون في دوامة الدهاليز المحشوة بالهواء العفن والدبّق الذي يلتصق على مقدمات أنوفنا ونحن نلهث، فلقد حمل كل منّا كِنزه ، صندوق نحاسي من الذهب، وقد لاحظنا في الاستراحة الأخيرة وكل منّا يتفقد ذهبه، أن لمعان الذهب يخبو شيئاً فشيئاً ليتحول إلى وهج رمادي. قدّرنا نحن الاثنين، أن ذلك يعود للزمن وتراكم الغبار على ذرات الذهب ، وقال هو بلهجة لا تخلو من التهكم والأسف : الذهب يحتاج إلى الضوء كي يتوهّج ..!

كان استنتاجه منطقياً .. وقبلنا به ونحن ننظر نحو قطع الذهب التي تتحول إلى اللون الأسود الفاحم وكأنها قطع من الفحم الحجري المستخرج حديثاً من باطن الأرض، وها هو المصباح اليدوي يفقد آخر أنفاسه ليغادرنا إلى غير رجعة .. وكان هذا هو سبب ارتطام رأسه بهذه القوة في الحجر الناتئ من سقف السرداب الحجري، لقد شج رأسه عميقاً وصرخ

ـــ أأأأخ .. لقد جرحت مخيلتي ..
بحلقنا معاً في جرحه دهشين
ـــ مخيلتك .. ؟! هل تمزح معنا يا رفيق .. ؟!
دعنا نضمد لك جرحك .
ـــ لا .. لا .. دعوها تنزف … إنني أشعر بأشياء لا وقت لي لإخباركم بها .. أرى صوراً تسيل بكامل ألوانها .. أسمع أصواتاً في أرجاء لا نهاية لها .. أشم روائح الكائنات جميعها وكل منها على حدة .. دعوني أنزف وحيداً .. .
لم نصدق ما نسمع وشرعنا بلفّ رأسه بقماش بقايا ثيابنا الداخلية المصنوعة من القطن الوطني، وتهامسنا بحقيقة أنه مريض بالتأكيد وربما أصابه هذيان فقدان الأمل ، وتساءلت :
ــ هل قرأت شيئاً عن هذا من قبل ؟
ـــ حسبما أذكر نعم .. إنه هذيان غريب وفتاّك وقد يصيب صاحبه بالجنون
انتهينا من تضميد رأسه حتى هدأ، أغمض عينيه مسترخياً ، وكنّا نقف أمامه منتظرين مسرنمين لا ندري ما الذي حدث ، ثم فجأة .. انقلب على وجهه وضحك ثم انتحب ثم هب واقفاً ورقص كالأيائل وغنى بصوت ساحر عن الطيور الزرقاء التي تحب الخوخ الأحمر .. !!
تيقنّا من جنونه المطبق حين نزع الضماد ولمس جرحه ليرينا كفه الملوثة بأخضرٍ ناصع معلناً
ــ هل ترون ..؟ دم المخيلة أخضر .. وهي تنزف بالتأكيد .
جمدنا بلا حراك … ثم حدّق فينا بعينين متوقدتين قائلاً :
ــ إنني أشم رائحة الضوء … اتبعاني .
خبّ كذكر ماعز برّي، دالفاً في أحد السراديب .. بقينا جامدين لبرهة طويلة قبل أن نوقن أنه لن يعود إلينا أبداً ..
مضى ثلاثة أيام على رحيله، طعامنا وماءنا بدأ بالنفاذ ولا زلنا نسير لاهثين، وكلما تذكرنا رفيقنا … قلنا بيأس : إنه مجنون …! لا بد أنه مات في سرداب مغلق .
لكننا في أعماق قلبينا كنّا نراه بمخيلة شاحبة كيف يسير تحت الشمس في الخارج .. وكنّا نقول لنفسينا .. لو أننا لحقناه ..!!
لا زلنا ندور في السراديب المتفرعة محاذرين الحواف الواطئة للمعابر .. لو أن رؤوسنا تصطدم دون إنتباه .. ! كان هذا هو رجائنا الأخير .. الأخير.

شارك

Share on facebook