علاء شقير يكتب: ما هي الحكومة؟

مع بدء نشوء المساكن للإنسان القديم وظهور تجمعات بشرية متعاونة من أجل البقاء واكتشاف الزراعة قبل أكثر من عشرة آلاف عام تطورت أساليب البقاء وتوقف الانسان عن الترحال وعمل على تأسيس القرى والمدن ثم تغيرت وسائل الانتاج برزت الحاجة إلى ضرورة تخزين المحصول وحمايته وتقسيمه ومن ثم استثماره وادارته وكان لزاماً على ذاك الانسان حينها أن يوكل هذه المهام إلى بعض الاشخاص ومع تعقد المصالح وتشابكها صارت تنضج هذه المنظومة إلى أن كانت الثورة الزراعية قد تبلورت وصقلت ادواتها في الحضارة السومرية قبل 5500 سنة وكانت هذه المنظومة (الحكومة) المسؤولة عن تسيير شؤون الناس ومصالحهم وادارة مواردهم بما يضمن أن تعود بأفضل نفع عليهم وتبلورت القوانين الزراعية والتجارية على ألواحهم الطينية باللغة المسمارية، وعلى بدائية هذه المنظومة ومرجعيتها الملكية حيناً والدينية أحياناً أخرى إلا أنها استطاعت أن تعمر مدناً ودويلات وحين نقول دولة أي حكومة وشعب وأرض.

وعلى قدمِ المفهوم تعرّف الحكومة حالياً بأنها شكل من أشكال ممارسة السلطة في المجتمعات ولا يقتصر المفهوم على شكلها الرسمي اذ أن أي منظومة مشابهة في الأسرة أو المصنع أو أي نشاط اجتماعي أو اقتصادي يمكن أن نسميه حكومة. وإن كانت السلطة أحد عناصرها الأساسية المشتركة بين جميع الحكومات على اختلاف انواعها فإن هذه السلطة كذلك لا بد أن تقترن بالشرعية كعنصر رئيسي وهذه السيادة كانت تستمد من الآلهة في العصور القديمة أو كحق إلهي من معتقدات راسخة تعمل الحكومة بموجبها من دون أن تحيد عن معتقدات الشعب وتطلعاته، وحين كان يتم استغلال شعبٍ ما فإن ذلك الاستغلال كان ناتجاً من أفكاره، أما في القرن السادس عشر فقد بدأ يتبلور مفهوم العقد الاجتماعي ناسفاً كل المفاهيم البالية وكان من أشهر فلاسفته جون لوك، وجان جاك روسو، وتوماس هوبز ثم لحقهم وطور على نهجهم في اطار ما سمي بعصر التنوير كثيرون منهم ايمانويل كانط. والعقد الاجتماعي هو عملية تنظيمية للحقوق والواجبات بين طرفين بشكل افتراضي أو واقعي. وهذا يحصل في الجانب السياسي لكل مجتمع لتنظيم اموره الادارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. أي أن الأفراد الموجودين في دولة ما يرتضون لنفسهم التنازل عن جزء من حقوقهم وحرياتهم باتجاه بلورة سلطة أو مجموعة أفراد أو مؤسسة أو نظام ممثل من خلال السلطة التشريعية والتنفيذية، وبالتالي هم يعطونهم الحق بإدارة شؤون كل المجتمع. وهذا المفهوم (الشرعية) لا يختلف ابداً من حيث المبدأ مع الشكل الأول للحكومات التي ظهرت في المجتمعات القديمة، على اختلاف أشكالها في حضارات بلاد الرافدين والفراعنة والصين والحضارات اليونانية والرومانية وغيرها. أما في عصرنا وفي الدول الديمقراطية تُمنح هذه الشرعية من قبل الشعب من خلال الانتخابات حتى تحفظ النظام العام وتحقق سيادة القانون وتضمن حقوق الافراد وحرياتهم الأساسية والعامة. بالتالي شرعية القبول وشرعية الانجاز والتي إن حادت عنها يتم عزل الحكومة أو عدم انتخابها في دورات لاحقة.

لصالح من تعمل حكومتنا؟

منذ عقود طويلة والقوى السياسية بعيدة عن مشروع الدولة وبنائها في ظل غياب رابطة تربط المواطن السوري بحكومته، وعلى مدى السنوات العشر الأخيرة وما جرَّته الحرب من كوارث ومآسٍ وقفت الحكومة على تغير كوادرها وإداراتها عند محكات صعبة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وكانت دوماً هذه الحكومة أمام خيارات صعبة لاتخاذ قراراتها التي أصابت في بعضها وأخطأت في بعضها الآخر، إلا أنها وعلى الدوام لم تتبنَ أو تعتمد أي قرار يقف في وجه مصالحها “كأفراد” على حساب المصلحة العامة. والتي تكشف بعضها من النتائج التي وصلنا اليها ومن خلال ملفات الفساد الكثيرة التي تظهر بعد إقالة المدير فلان أو الوزير علان وفي رصيده الخارجي أرقام خرافية تم نهبها من جيوب الفقراء أو من صفقات فاسدة عادت بكوارثها على الشعب البسيط الذي صار يملك بطاقة ذكية كانت ستكون ذات جدوى في ظروف أخرى من السلم والرفاهية إلا أنها البطاقة الذكية لا تصب المال إلا في رصيد شركة تكامل التي تحصّل نسبة ربحها من كل رغيف أو لتر مازوت أو بنزين أو كيلو سكر أو أرز .. الخ وتقدم الحكومة كل هذا الرفاه من عشرة أو عشرين يوماً من التدفئة من أصل شهور باردة قاسية كمنحة أو هبة بدلاً من اعترافها بحق المواطن الشرعي من موارد بلده والتي من المفترض أن تكون مهمة هذه الحكومة هي توزيع حقوقه من حصته في موارد هذا البلد، حتى أنها بلغت من العنجهية ما لم يعد يسمح لها بالاعتذار عن تقصيرها في تأمين المستلزمات الأساسية للحياة من كهرباء وماء وخدمات ودخل يضمن له قدرته على تأمين طعامه ولباسه وطبابته واحتياجاته الاساسية وحين لا يطالب هذا المواطن الصامد بالرفاهية فذلك لتفهمه وتعاونه مع حكومته لعلمه بواقع الحرب والحصار اللذان استنزفا الموارد وشكلا عجزاً اقتصادياً للبلاد. إلا أن هذا التفهم ساق الحكومة لتبحث في أدق التفاصيل من فاتورة الكهرباء والماء وفرض الضرائب حتى على سندويشة الفلافل والشاورما وانتزاع كل ما يمكن تحصيله من جيوب الفقراء (أقول الفقراء وليس الشعب لأن 90% من الشعب بات تحت خط الفقر)، أما الطامة كانت عندما أخذت الحكومة قراراتها “الرشيدة” في استثناء 596 ألف أسرة من الدعم. والسؤال هنا:

أيهما كان سيعود بنتيجة أفضل إلى خزينة الدولة، استثناء هذه الأسر أم سحب سيارات المسؤولين في كل مؤسسات الدولة ومديرياتها ووزاراتها وايقاف كل مخصصاتها من الوقود؟

وأكاد أجزم أنهم كلهم هؤلاء يملكون سياراتهم الخاصة ويمكن أن يكون لهم ما لغيرهم من مخصصات البنزين لتسيير أمورهم. ومن المفترض أن يكون للشعب الحق في قرار سحب السيارات العامة منهم ذلك أنها مُلك للشعب وقد اقتضت ضرورة الظروف القاسية التي تعصف بالبلاد مثل هذا الاجراء ليتحملوا جزءاً من الصمود.

قد يتم تغيير الحكومة غداً أو بعد أعوام وكما في كل مرة لن تكون بأفضل من سابقتها وذلك أن آليات الفساد صارت قانونهم وبدلاً من أن تكون مناصبهم للخدمة صارت مناصب شرفية وفوق القانون أحياناً يمكن استغلالها لتحصيل ما يمكن تحصيله من مكاسب فردية قد تكون على حساب الشعب والوطن، في غياب دور الحلقة الاساسية التي من المفروض لها أن تمثل الشعب وتدافع عن مصالحه، مجلس الشعب الذي لم يأخذ دوره أو حتى قارب مهامه الاساسية التي من أجلها تم تشكيله. وانفرطت الثقة بين الشعب وممثليه من الدمى التي تم انتخابها على أساس اعتباطي أو عشائري بعد أن نسيت الناس لماذا هو موجودٌ من الأساس.

شارك

Share on facebook